القائمة الرئيسية

الصفحات

قصة شاب يعاني من الإنطوائية _ مشاكل نفسية

 

الإنطوائية

المشاكل النفسية كثيرة جدا كما ذكرنا من قبل،ومنها مشكلة الإنطوائية. 

سأترك الساحة في هذا المقال لك عزيزي القارئ، أن تتفضل بقراءة تلك المشكلة النفسية، يسردها صاحبها الذي يعاني من الإنطوائية قائلاََ:-

الآن وفي وقت كتابتي لهذه الكلمات أكون قد أتممت عامي الثلاثون، وانتصف عمري على حسب التقديرات الدنيوية لعمر البشر. 


المتحدث: أحد الكائنات الغريبة .. المصنف من بني البشر. 


الشكل، والجسم، والصفات توحي بذلك. 


الحال، والأوضاع، يوحيان بخارق. 


في تسعينيات القرن الماضي ولدت أنا ( نادر الوجود ). بأحد المناطق الريفيه التابعه لمحافظة القاهرة، لأب وأم  لن أذكرهم بسوء اطال الله في عمرهم. 


لكن يكفي أن نقول الطيور على أشكالها تقع، لا يعرفان عن الحياه غير أن الاب يشتري الطعام، والأم تطعم الصغار. 


من دون الخوض في تفاصيل كثيرة، لم تكن طفولتي عادية. 


حنان الأم، وإحتواء الأب، شعور يعرفه كل الناس إلا انا !

لن تخرج للعب !

لن تلهو مع الاطفال !

إجلس في المنزل، وساعد والدتك في عمل البيت. 

لا تتاخر عند قدومك من المدرسة، وفي حالة مخالفة التعليمات ستعاقب ضرباََ بخرطوم البوتجاز. 

بإختصار شديد هذا حصاد اول عقد في حياتي. 


 بداية العقد الثاني من عمري استقبلها وانا محمل بعدة امراض، فيما بعد عرفت انها مشاكل نفسية، مثل عدم الثقه بالنفس والرهاب الاجتماعي والإنطواء على النفس،غير الافتقار لمهارات حياتية كثيرة.


في مرحله متقدمه من الطفولة، يتوجب على الطفل( طبيعياََ )، أن يكتشف عملياََ كل اعضاء جسده. 

( أطرافه، عضلاته، عقله ) أي عضو، ويحاول إخراج طاقته في اللهو، واللعب.  

أنا لم أكتشف شيئاََ، ومازلت محتفظاََ بهذه الطاقة المكبوته إلى الآن. 


هل تعرف شيئا عن قيادة الدراجة؟ 

أنا مازلت لا أملك العلم الكافي لكي أفكر في قيادتها. 

دعك من هذا. 

هل تتذكر لعب الكرات الزجاجية الصغيرة ( البلي)؟ 

لازال لدي شغف التجربة الاولى !

 ومازلت أتخيل ثني الأصابع بطريقة معينة، لكي تقوم بإطلاق ( البليه ) حتى تصيب بلية أخرى. 

أُنظر إلى الأشياء التى لا زالت تعلق برأس رجل على مشارف العقد الرابع من عمره. 


ألست بتافه ؟


كما أن الطفولة لم تكن عادية، فإن المراهقه هي الأخرى لم تكن كذلك. 


لم يصيبني من مرحلة المراهقة غير التغيرات الجسدية، لم أكن يوماََ ممن كانوا يضايقون الفتيات، رغم أنني لا اعرف ما هي المتعة في ذلك، إلا لابد أنه شي ممتع، وإلا لما ترى أحدهم يتلذذ وهو يسمع توبيخ الفتاه له بعد ذكره الكاذب لجمالها، ما الذي يحملك على سماع ذلك يا ولدي!  لابد أنه شيء ممتع، هكذا أخمن. 


أذكر موقفاََ تعرضت له وانا في الصف الثاني الإعدادي، وهو لفتاة زميلتنا، كتبت ورقة، وأرادت إعطائها لزميل لي، فإختارتني لكي اقوم بتلك المهمه، أردت فتح الورقة، إلا أننى فوجئت بغضبها وإحمرار وجهها، وقالت إعطها له هكذا  من دون فتحها وانا أراقبك، أخذت الورقة، وأنا كالحمار يحمل أسفاراََ، وقمت بإعطائها لزميلي، فتح الورقه، وقرأها، فوجدته يبتسم، فسألته عن ما بها ؟ فلم يرد، فنظرت إلى الفتاة، فوجدتها تبتسم هي الأخرى، ما الذي يحدث ؟ ما هو الشيء المكتوب بالورقة الذي جعلاهما يبتسمان هكذا ؟لابد أن بها بعض النكات الطريفة، وهما يخبئان ذلك عني !

 

على أي حال، إنقضت المراهقة إلى غير رجعة، ومازلت كما أنا، أحمل أمراضي النفسيه التي تتزايد بمرور الوقت، ومن شدة عدم الثقة بالنفس، قررت دخول الثانوية الصناعية لإنهاء حياتى التعليمية مبكراََ، مدعياََ عدم قدرتي على تحمل الثانوية العامة، رغم تفوقي في دراستي، بل وأحمل شهادات بذلك. 


بداية من عامى الخامس عشر وحتى الثاني والعشرون، إتجهت للعمل بمجال المعمار، فكنت يوماََ صبياََ لنجار مسلح، ويوم آخر لمبلط سيراميك، وآخر لعامل بناء. 

وافق سنى السن القانوني للإلتحاق بالخدمة العسكرية، فإلتحقت بالجيش، وقضيت مدتي الإلزامية وإنتهت. 


منطقياََ بعد كل هذه التجارب لابد أنه تغير الحال، لكن الحال لازال باقٍ على ما كان عليه، لم يكن لدي صديقا يوما ما، أنا زميل دراسة جيد، وزميل عمل رائع، إلا أن هذا لا يرقى لأن أكون صديقاََ لأحدهم، هذا يعنى أنني ما زلت وحيداََ. 


إلتحقت بعمل بأحد المصانع، فأصبحت أخرج من منزلى في السادسة صباحا، ثم أعود في الثامنة مساءاََ، أخرج في الظلام، وأعود في الظلام، إثنى عشر ساعة بين ضجيج الآلات، التي لا تهدأ، أعود منهكاََ من عملي، أتناول العشاء، ثم أنام، وأعود لتكرار ذلك، لا أشارك أحداََ أفراحه، ولا أحزانه، ولا أعرف احداََ، حتى الجيران. 


أذكر يوماََ كنت عائداََ من عملي، فأشرت إلى السائق: الزفلطون يسطا ( إسم مستعار لبلدتي )، فأشار لي بالركوب، وعند جلوسي على الكرسي، إذ بأحدهم يقول لي: تأكد من السائق، لأن هذه العربة متجهة إلى الزفلطون، فقلت: أنا من الزفلطون، فتغيرت ملامح وجهه، متسائلاََ كيف ؟أنا لا أعرفك ؟ ثم قال لي: هل تسكن عند أحدهم؟ فأجبت: لا، منزل والدي وأنا مولود هناك، قال: أين تسكن بالتحديد؟ فأجبت: عند مسجد التقوى، فقال لي: لا اعرفك! 

فقلت له بنبرة حادة : هل تعرف كل الناس؟ وإذ بأحدهم يقول : (ماخلاص ياحماده وجعت دماغ الراجل ودماغنا ما قالك من عند جامع التقوى  وخلاص انت هتحقق معاه ولا ايه؟ )، ثم عاد إلى موتته، وغط في نوم عميق، هذا الموقف التافه لامست سذاجته نفسيتي الهشه، فإنتهزت فرصة دخول السائق للتزود بالوقود، ولكن كان ينتظر أكثر من سيارة ليحدث ذلك، فإدعيت الغضب من الانتظار، وتركت السيارة، وانصرفت، في الحقيقة هو هروب من موقع الأذى النفسي. 


سرت أحدث نفسي بالطريق: شخص مثلك بلغ الثلاثون من عمره، ولا يعرفه أهل بلدته ؟جن جنوني مما يحدث لي، ومما أنا عليه، كدت يوماً أضرب الأرض بقدمي قائلاََ: أنا هنا يا بشر، أنا هنا، ألا تروني ؟ ولكن تراجعت خشية أن يقذفني الأطفال بالحجارة. 


30سنة في عمر البشر رقم كبير جداََ، لكن بالنسبة لعمري هو لا شيء، لا شئ بالمعنى الحرفي للكلمة. 

قعدت أراجع ذكرياتي مع العمر ده، وإيه اللي عملته، وإيه اللي كان مفروض يتعمل، لقيت إنه أنا خارج منه صفر اليدين، لا أصدقاء، لا أهل،لا تواصل مع الاقارب ،والجيران، لا زواج، الإفتقار إلى مهارات حياتية كثيرة أكتشفها متاخراََ. 


حقيقةََ أنا لا أعرف لماذا أعيش ؟ أو بمعنى أدق، هل أنا فعلاََ على قيد الحياة؟ 


ألم أقل أنني أحد الكائنات الغريبة  !

View Comments

تعليقات